المقداد السيوري
549
اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية
الراغب الأصفهاني وأبي حامد الغزالي والفخر الرازي . وهو المذهب المنصور الذي أشارت إليه الكتب السماوية ، وانطوت عليه الأنباء النبوية وعضدته الدلائل العقلية ، وأيّدته الأمارات الحسيّة والمكاشفات الذوقيّة ، فقال : « في الجنّة » الظرفية مجازية باعتبار الشبح الذي تعلّقت الروح به وإلّا فهي مجرّدة غير مكانية « على صور أبدانهم » خبر ثان للمبتدأ المحذوف أو حال من المستكنّ في الظرف ، والمراد أنّها عاكفة ومقيمة على تلك الصور ، ويحتمل أن يكون على معنى « في » كما قالوه في قوله تعالى : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها وقوله سبحانه : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ تشبيها للملابسة التعليقية بالملابسة الظرفية ، إلى أن قال قدّس سرّه : في هذا الحديث دلالة على أمرين : الأوّل : بقاء النفوس بعد خراب الأبدان ، وإليه ذهب أكثر العقلاء من الملّيين والفلاسفة ، ولم تنكره إلّا فرقة قليلة كالقائلين بأنّ النفس هي المزاج ، وأمثالهم ممّا لم يعبأ بهم ولا بكلامهم ، والشواهد العقلية والنقلية على ذلك كثيرة ، وقد تضمّن كتاب المطالب العالية - من تأليفات الفخر الرازي - منها ما لا يوجد في غيره ، ويكفي في هذا الباب قوله جلّ وعلا : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا الآية « 1 » . قلت : وقد بيّن الشيخ المصنّف ( ره ) دلالة الآية الشريفة على المطلب ، وذكرنا دلالتها على تجرّد الروح وعلى البدن البرزخي كما عرفت . ثمّ قال الشيخ البهائي قدّس سرّه . الثاني : أنّها تتعلّق بعد مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح مثالية تشابه تلك الأبدان ، وعليه الصوفية وحكماء الإشراق . والذي دلّت عليه الأخبار المنقولة عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام أنّ تعلّق الأرواح بهذه الأشباح يكون في مدّة البرزخ ، فتتنعّم أو تتألّم بها إلى أن تقوم الساعة ، فتعود عند ذلك إلى أبدانها كما كانت عليه .
--> ( 1 ) آل عمران 3 : 169 .